لبيب بيضون
589
موسوعة كربلاء
فلقد ابتدأ ذلك بقتل سيد الشهداء حمزة ، الّذي قضّ مضجع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى صلى عليه أربعين مرة ، مع كل شهيد مرة . ولم يكتفوا بذلك حتى حاولت هند أم معاوية أن تلوك كبد الحمزة بعد أن استخرجتها من صدره الشريف ، فلم تستطع مضغها وبلعها ، فلفظتها ، وعملت من كبده أساور وخلاخل تزيّنت بها شماتة به ، لأنه كان قد قتل أباها عتبة رأس الشرك والكفر في معركة بدر . ثم ختم ذلك بقتل أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام الّذي أخذ يزيد بقتله ثأر معركة بدر ، فكان أكثر كفرا وإجراما من جدته هند وجدّه عتبة . وكان قتل حمزة والحسين عليه السّلام محاولة من أعداء الإسلام لاستئصال دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فاتخذ المسلمون تربته شعارا يتبركون به ويستشفون بها ، اعترافا بفضل الشهداء على الإسلام ، وتخليدا لذكرى أنصار الإسلام والذين ماتوا في سبيل اللّه . ولما قتل الحسين عليه السّلام لإحياء دين جده محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، اتخذ المسلمون تربته شعارا يسجدون عليها لله تعالى ، ليتذكروا أنه لولا الحسين عليه السّلام لم تكن الصلاة لتقام إلى هذه الأيام . وكما قال المرحوم الشيخ عباس شرف في ديوانه : لولا وقوفك بالطفوف * لما وقفنا بالصلاة فكلما سجد المصلي لله تعالى على هذه التربة ، في مشارق الأرض ومغاربها ، اخترقت أمام بصره وبصيرته تلك الحجب المادية الكثيفة ، التي تحجب بينه وبين حقيقة الصلاة ، التي هي معراج المؤمن ، من حضيض المادة إلى سماء الحقائق ، وعرج بروحه إلى الحضرة الإلهية مقتربا من اللّه ملتمسا عفوه وثوابه . وإلى مثل هذا الرأي يذهب أحد أساطين العلم في هذا الوقت ، في سرّ السجود على تربة الحسين عليه السّلام بقوله : ولعل من جملة المقاصد السامية أن يتذكر المصلي حين يضع جبهته على تلك التربة ، تضحية ذلك الإمام بنفسه وآل بيته والصفوة من أصحابه ، في سبيل العقيدة والمبدأ ، وتحطيم هياكل الجور والفساد والظلم والاستبداد . ولما كان السجود أعظم أركان الصلاة ، وكما في الحديث : « أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال سجوده » ناسب أن يتذكر المؤمن حال وضعه جبهته على تلك التربة الزاكية ، أولئك الذين وضعوا أجسامهم عليها ضحايا للحق ، وارتفعت أرواحهم